
في العيادة نرى كثيرًا مريضًا يأتي بسبب زيادة الوزن، ثم تكشف التحاليل أنه مصاب بالسكري أو في مرحلة ما قبل السكري، وتُظهر الأشعة الصوتية دهونًا على الكبد. هذه الحالات الثلاث مترابطة إلى درجة أنها كثيرًا ما تجتمع لدى الشخص نفسه، ويغذي كل منها الآخر.
كيف تقود السمنة إلى السكري؟
عندما تتراكم الدهون، خصوصًا حول البطن وداخل الأعضاء، تقل استجابة خلايا الجسم للإنسولين، وهي الحالة المعروفة بمقاومة الإنسولين. يحاول البنكرياس في البداية تعويض ذلك بإفراز كمية أكبر من الإنسولين، لكنه مع مرور السنوات يُرهق، فيبدأ السكر بالارتفاع، أولًا إلى مرحلة ما قبل السكري، ثم إلى السكري من النوع الثاني.
ومن علامات مقاومة الإنسولين التي قد يلاحظها المريض: اسمرار الجلد في الرقبة أو تحت الإبط، والشعور بالنعاس والجوع بعد الوجبات، وصعوبة نزول الوزن رغم الالتزام.
الكبد الدهني: المرض الصامت
الكبد الدهني المرتبط باضطراب الأيض (ويُعرف سابقًا بالكبد الدهني غير الكحولي) هو تراكم الدهون داخل خلايا الكبد. في معظم الحالات لا يسبب أعراضًا واضحة، وقد يُكتشف صدفة عند عمل أشعة للبطن أو تحليل لوظائف الكبد.
المشكلة أن نسبة من المرضى يتطور لديهم المرض إلى التهاب في الكبد، ثم تليف، وقد يصل في مراحله المتقدمة إلى تشمّع الكبد أو سرطان الكبد. ولأن تطوره بطيء وصامت، فإن الاكتشاف المبكر يصنع فرقًا كبيرًا.
وعلى مستوى المملكة، قدّرت دراسة منشورة في المجلة السعودية لأمراض الجهاز الهضمي (2018) أن عدد المصابين بالكبد الدهني في السعودية قد يصل إلى نحو 12.5 مليون حالة بحلول عام 2030، بالتوازي مع الارتفاع المتوقع في معدلات السمنة والسكري.
لماذا نسميه «الثالوث الأخطر»؟
لأن العلاقة بين الثلاثة دائرية:
- السمنة ترفع مقاومة الإنسولين، فتزيد خطر السكري.
- مقاومة الإنسولين وارتفاع السكر يدفعان الكبد إلى تخزين المزيد من الدهون.
- الكبد الدهني بدوره يزيد مقاومة الإنسولين ويصعّب ضبط السكر.
واجتماع الثلاثة يرفع أيضًا خطر أمراض القلب والكلى، لذلك يُفضّل التعامل معها كحزمة واحدة لا كأمراض منفصلة.
ومن الناحية العملية، فإن تحليل السكر التراكمي ووظائف الكبد وأشعة البطن الصوتية فحوصات بسيطة ومتوفرة، ويمكن أن تكشف هذه الحالات قبل ظهور أي أعراض.
ما الذي يمكن فعله؟
من أقوى الأدلة في هذا المجال برنامج الوقاية من السكري (DPP) المنشور في مجلة New England Journal of Medicine عام 2002. فقد استهدف البرنامج لدى أشخاص معرضين للإصابة إنقاص 7% على الأقل من الوزن وممارسة 150 دقيقة من النشاط البدني أسبوعيًا، وكانت النتيجة انخفاض معدل الإصابة بالسكري بنسبة 58% مقارنة بالمجموعة التي لم تتلقَّ هذا التدخل.
والكبد كذلك يستجيب لنزول الوزن، إذ تتراجع الدهون فيه مع إنقاص الوزن بشكل تدريجي ومدروس. وتشمل خيارات العلاج عادة:
- تعديل الغذاء بتقليل السكريات والنشويات المكررة والمشروبات المحلاة.
- زيادة النشاط البدني تدريجيًا بما يناسب حالة المريض.
- أدوية إنقاص الوزن بوصفة طبية لمن تنطبق عليهم الشروط.
- جراحة السمنة للحالات المناسبة، خاصة عند ارتفاع مؤشر كتلة الجسم مع سكري يصعب ضبطه.
إذا كنت مصابًا بالسكري أو ما قبل السكري، أو أخبرك طبيبك بوجود دهون على الكبد، وكان مؤشر كتلة جسمك 30 أو أكثر، فاستشارة طبيب متخصص في السمنة تساعد على وضع خطة تعالج الوزن والسكر والكبد معًا. ويُفضَّل أن تحضر معك آخر تحاليل السكر التراكمي ووظائف الكبد.


